رسوم ترامب على نفط فنزويلا تُفاقم عزلة كاراكاس

فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية بنسبة 25% على استيراد النفط من فنزويلا يزيد عزلة كاراكاس.

تقرير: باسل محمود

في خطوة قد تُعيد تشكيل خريطة تجارة الطاقة العالمية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على أي دولة تستورد النفط أو الغاز من فنزويلا، في تصعيد لافت ضمن سياسة \”الضغط الأقصى\” على نظام الرئيس نيكولاس مادورو، بحسب رويترز.

يأتي القرار بينما يواصل الاقتصاد الفنزويلي تدهوره المستمر منذ أكثر من عقد، وسط مزيج قاتل من السياسات الاقتصادية الكارثية والعقوبات الدولية التي أحكمت الخناق على قطاع النفط، المصدر الرئيسي للدخل القومي.

وبينما يرى البيت الأبيض أنَّ التعريفة الجديدة قد تدفع حلفاء واشنطن للابتعاد عن نفط فنزويلا، يحذر مراقبون من أن هذه الخطوة قد تزيد من عزلة كاراكاس دون أن تحقق تغييرًا سياسيًا حقيقيًا، بل قد تؤدي إلى موجة جديدة من الانهيار الاقتصادي والهجرة الجماعية.

فنزويلا.. من الأغنى إلى الأكثر انهيارًا

لم يكن من المتوقع أن تتحول فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، إلى واحدة من أفقر دول نصف الكرة الغربي؛ فقد شهدت البلاد، منذ عام 2013، تدهورًا غير مسبوق في مستويات المعيشة بلغ 74%، وهو ما يُعد خامس أكبر تراجع في التاريخ الاقتصادي الحديث خارج إطار الحروب أو الثورات.

وقد أسهمت العقوبات الأمريكية في تسريع وتيرة الانهيار، لكنَّها لم تكن السبب الوحيد، إذ لعبت السياسات المالية والنقدية الكلية دورًا أساسيًا في تدمير البنية الاقتصادية تدريجيًا، خاصة خلال سنوات الرواج النفطي.

وفي الفترة بين عامي 1999 و2013، ومع صعود هوغو تشافيز إلى السلطة، تبنّت فنزويلا سياسة توسعية مفرطة في الإنفاق خلال ما يُعرف بـ\”دورة السلع الفائقة\”، دون أن تدخر للسنوات العجاف كما فعلت دول أخرى مثل السعودية والنرويج، فسجّلت البلاد عجزًا ماليًا كبيرًا رغم ارتفاع أسعار النفط، ولجأت إلى تمويله عبر طباعة النقود، ما أدى إلى تضخم مفرط، وبحلول 2014، ومع تراجع أسعار الخام، كانت الدولة قد استنفدت كل وسائل التكيف المالي.

إلى جانب الفوضى في إدارة المالية العامة، تم تسييس قطاع النفط الحيوي، واستُبدلت الكفاءات الفنية بحلفاء سياسيين، ما أدى إلى تراجع الإنتاج من 3 ملايين برميل يوميًا مطلع القرن إلى أقل من 850 ألف برميل اليوم.

سياسات جزئية وتدخل قسري

فرضت الحكومة الفنزويلية خلال العقدين الماضيين قيودًا واسعة على القطاعات الإنتاجية، بما في ذلك تحديد أسعار آلاف السلع الأساسية، وتأميم المئات من المصانع والشركات دون تعويض، إلى جانب تجميد حركة رؤوس الأموال وتحديد أسعار الصرف.

هذه التدخلات خلقت تشوهات هائلة، وأضعفت قدرة السوق على الاستجابة، ودفعت القطاع الخاص نحو الانكماش، وبحلول 2017 كانت البلاد تعاني من تضخم مفرط، ونقص حاد في السلع، وهجرة جماعية للمواطنين تجاوزت 7.7 ملايين شخص، معظمهم من الشباب وأصحاب الكفاءات.

عندما تصبح الموارد عبئًا

المفارقة الكبرى أن الثروة النفطية التي كان يُفترض أن تحمي فنزويلا، تحولت إلى أداة خنق اقتصادي، إذ بات من شبه المستحيل تصدير النفط الفنزويلي عبر قنوات رسمية دون مواجهة تهديدات قانونية وتجارية.

ويؤكد محللون أن فنزويلا تواجه ما يُعرف بـ\”لعنة الموارد\”، حيث أصبحت ثروتها الطبيعية مصدرًا للضعف بدلًا من القوة بسبب غياب الحوكمة، وتسييس الاقتصاد، واستغلال العائدات لأغراض سياسية على حساب الاستقرار الاقتصادي.

العقوبات.. خنق بطيء للاقتصاد

في عام 2019، دخلت الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع حكومة مادورو؛ فقد أعلنت واشنطن اعترافها بالمعارض خوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا، وفرضت حزمة واسعة من العقوبات، بدأت بتجميد أصول الحكومة، ومنع بيع النفط إلى الولايات المتحدة، ثم توسعت لتشمل أي دولة أو شركة تتعامل مع شركة النفط الوطنية الفنزويلية PDVSA.

كانت العقوبات الثانوية بمثابة الضربة القاضية؛ حيث خفضت قدرة فنزويلا على تصدير النفط، واضطرت إلى بيعه بطرق ملتوية عبر وسطاء، وبأسعار منخفضة، كما انخفض إنتاج النفط إلى 337 ألف برميل يوميًا في منتصف 2020، قبل أن يتعافى نسبيًا بفضل بعض الاستثناءات المحدودة.

ترامب يعود بعقوبات جمركية \”عابرة للحدود\”

في منشور على منصته \”تروث سوشل\”، أعلن ترامب أن إدارته ستفرض تعريفة جمركية بنسبة 25% على جميع الدول التي تستورد النفط أو الغاز من فنزويلا، اعتبارًا من 2 أبريل المقبل، واصفًا هذه الخطوة بأنها \”تعريفة ثانوية\” تهدف إلى منع الالتفاف على العقوبات الأمريكية المباشرة.

يُتوقّع أن تطال هذه الخطوة عددًا من الدول الآسيوية والإفريقية التي ما زالت تتعامل مع فنزويلا، ومنها الصين والهند وبعض دول الكاريبي، كما أنّها قد تُعقّد العلاقات مع دول مثل تركيا والإمارات التي انخرطت سابقًا في آليات تسوية مالية مرتبطة بالنفط الفنزويلي.

اقرأ المزيد: رسوم جمركية جديدة تهدد تجارة الغاز النفط الفنزويلي

كيف ستؤثر التعريفات الجديدة على الاقتصاد؟

من غير المرجح أن تُغيّر هذه التعريفات واقع النظام السياسي في كاراكاس، لكن من المؤكد أنها ستؤدي إلى تعميق عزلتها الاقتصادية، وتُقلّص فرصها في الوصول إلى العملات الأجنبية، خاصة في ظل احتياطي نقدي شبه معدوم، وديون خارجية تفوق 100 مليار دولار.

كما قد يؤدي انخفاض مبيعات النفط إلى تقليص الواردات بشكل أكبر، مما يعني نقصًا إضافيًا في الوقود، والأدوية، والسلع الأساسية، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع في السوق السوداء، وتسارع معدلات التضخم مجددًا بعد فترة من الهدوء النسبي.

من ناحية أخرى، تُتابع الأسواق العالمية، خاصةً في قطاع الطاقة، هذه الخطوة بحذر، إذ يخشى بعض المصدرين من أن تتحول التعريفة الجمركية إلى أداة سياسية دائمة تُستخدم ضد دول أخرى، كما يخشى مستوردو النفط من اضطرابات محتملة في الإمدادات، وارتفاع في أسعار الخام.

قد يؤدي القرار، إلى زيادة الضغط على دول مثل الهند، التي تستورد كميات محدودة من النفط الفنزويلي، بينما تسعى للحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن، كما أنّ الصين، التي اشترت سابقًا شحنات نفط فنزويلية بأسعار مخفضة، قد تواجه اختبارًا دبلوماسيًا صعبًا إذا قررت تحدي القرار الأمريكي.

الخيارات المتاحة أمام فنزويلا في ظل العقوبات

في ظل ضعف الإنتاج المحلي، وتراجع الإيرادات، وخروج اليد العاملة الماهرة، لا تملك الحكومة الفنزويلية أدوات كثيرة للتكيف مع التعريفات الجديدة، وقد تلجأ إلى تعزيز تعاملاتها مع روسيا أو إيران، أو زيادة الاعتماد على العملات الرقمية في التسويات التجارية، لكنها حلول قصيرة الأمد وغير مستدامة.

في ظل استمرار مادورو في إحكام قبضته على الحكم، واستبعاد أي إصلاح اقتصادي هيكلي، يُجمع معظم الخبراء على أن فنزويلا ستواجه سنوات إضافية من الركود والعزلة، حتى في حال تعافي جزئي في أسعار النفط أو رفع محدود للعقوبات.

بلد غني بالموارد لكنه يواجه الإفلاس

رغم عودة بعض المؤشرات الاقتصادية الإيجابية في 2023، نتيجة تحرير بعض القيود وفتح جزئي للسوق، فإن غالبية الفنزويليين ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر، وسط انهيار للخدمات، وارتفاع في الأسعار، وانعدام الأمن الغذائي.

ويحذّر برنامج الغذاء العالمي من أنَّ أكثر من 7 ملايين فنزويلي بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بينما تواجه المنظمات الدولية صعوبات في الوصول إلى المناطق الداخلية بسبب العراقيل السياسية والبيروقراطية.

بعد أكثر من عقدين من السياسات الاقتصادية الفاشلة، وعقوبات أمريكية متصاعدة، وأزمات اجتماعية وإنسانية متراكمة، تبدو فنزويلا اليوم وكأنها دولة نفطية بلا نفط، واقتصاد غني بالموارد لكنه مفلس في الحقيقة.

رغم الضغوط الدولية، لا توجد مؤشرات على تغيير جذري في النهج السياسي أو الاقتصادي، بل إن الإجراءات الأخيرة، وعلى رأسها تعريفات ترامب الجديدة، قد تُغلق آخر نوافذ الانفتاح، وتُعيد البلاد إلى مربع العزلة والانهيار.

قد يهمّك أيضًا: أين تقع أكبر مصافي تكرير النفط في العالم؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading